قصص

جريمة السكون الكامل: كيف حكم «عصام» العالم وهو نايم؟

السكون كان تقيل، تقيل لدرجة إنك ممكن تسمع صوت نملك بيسري في عروقك. مكتب «بهجت بيه» – الله يرحمه بقى – كان عامل زي مسرح جريمة لسه البوليس ما وصلوش.

«عصام» الموظف اللي محدش بيحفظ اسمه، اللي لو غاب محدش بيلاحظ، ولو حضر محدش بيحس، كان واقف قدام المكتب لحظة وقوع «بهجت» بالجلطة. آخر حاجة عملها بهجت قبل ما روحه تطلع إنه شاور على «عصام» وحط صباعه على بوقه بعلامة «شششش»، ومات.

الشركة اتقلبت ساحة حرب. عندك جبهتين: «مدام ناههد» مديرة المبيعات، ست بتمضي العقود بدم ضحاياها، و«أستاذ رؤوف» المدير المالي، راجل عينه بتلمع لما بيشوف غلطة في ميزانية. الاتنين عايزين يعرفوا: «بهجت قال إيه لعصام قبل ما يموت؟». دي كانت كلمة السر اللي هما فاكرين إنها هتفتح خزنة أسرار الشركة.

عصام مكنش عارف يعمل إيه. هو أصلاً ما سمعش حاجة. هو كان واقف مرعوب لأن بهجت مات وهو بيبص له، وعصام عنده فوبيا من الموت. لما ناهد سألته بنبرة فحيح تعبان: «قالك إيه يا عصام؟ سلمك الورق؟»، عصام بلم. عينه زغللت، وبلع ريقه بصعوبة وما نطقش ولا حرف.

ناهد قرأت صمته إنه ولاء للمرحوم، أو إنه بيساومها. راحت رفعتله المرتب الضعف في نفس اليوم «تحت بند مكافأة تميز».

رؤوف عرف باللي حصل، فدمه غلي. استدعى عصام مكتبه. قفل الباب، وشغل موسيقى كلاسيك، وقاله بصوت واطي: «أنا عارف إنك ذكي، ومش هتبيع رخيص. ناهد بتغرق، وأنا المركب.. هات اللي معاك وليك شيك على بياض».

عصام هنا كان وصل لمرحلة من التوتر لدرجة إنه جاله «تشنج عصبي مؤقت». بوقه اتحجر. قعد يبص لرؤوف وعينه مبرقة وشفايفه بتترعش بس مفيش صوت. رؤوف، بخبرته في قراءة لغة الجسد (اللي طلعت أي كلام)، فسر الرعشة دي إنها «غضب مكتوم» وإن عصام ماسك عليه مستندات توديه في داهية. رؤوف خاف.. خاف بجد.

الأيام بتمر، وعصام بقى «البعبع» في الشركة. بيمشي في الطرقة، الكل يوسعله. ناهد بتبعتله قهوة مخصوص، ورؤوف بيبعتله عربية توصله. والاتنين بيضربوا في بعض عشان محدش فيهم يزعل «الصندوق الأسود» اللي هو عصام. عصام اللي كان كل ما يجي يفتح بوقه عشان يقول «يا جماعة أنا معرفش حاجة»، يفتكروه هيفضحهم، فيسارعوا بتقديم تنازلات وامتيازات أكتر عشان يسكتوه.

المعركة وصلت للدروة في اجتماع مجلس الإدارة الكبير مع «البيج بوس» صاحب المجموعة اللي جاي من بره. ناهد ورؤوف، كل واحد فيهم مجهز ملف يودى التاني السجن، بس مرعوبين من عصام اللي قاعد في آخر الترابيزة، ساكت، وشه شاحب، وعمال يعرق.

البيج بوس سأل سؤال واحد: «مين فيكم اللي يقدر يمسك منصب النائب العام للمجموعة وينظف الفساد ده؟».

ناهد بصت لعصام بخوف، ورؤوف بص لعصام برعب. الاتنين في نفس النفس، ومن غير ما يتفقوا، شاوروا على عصام وقالوا: «عصام.. مفيش غيره». هما عملوا كده عشان يتقوا شره، وعشان فاكرين إنه ماسك عليهم ذلة، فلو بقى الريس هيرحمهم، أو هما فاكرين إنهم اشتروه.

البيج بوس بص لعصام وقال: «ساكت ليه يا أستاذ عصام؟ مش طمعان في المنصب؟».

عصام، اللي كان حرفياً بيصارع نوبة هلع (Panic Attack) خليته مش قادر يتنفس، اكتفى بإنه هز راسه ببطء شديد (لأنه كان دايخ).. وبص للسقف كأنه بيستغيث من ربنا.

البيج بوس ابتسم بإعجاب وقال: «الله.. الثبات الانفعالي ده هو اللي احنا محتاجينه. في عالم مليان دوشة، اللي بيعرف يصمت هو اللي بيعرف يفكر. مبروك يا عصام بيه».

عصام اترقى. بقى هو الكل في الكل. ناهد ورؤوف قدموا استقالتهم من الرعب.

وفي أول يوم له في المكتب الجديد، قعد عصام على الكرسي الجلد الفخم، وفتح الدرج بتاع بهجت بيه اللي كان مقفول بقاله سنين. لقى ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد بهجت:

“عزيزي اللي هيقعد مكاني.. أنا طول عمري كنت أطرش، ومبسمعش حد، وعشان كده نجحت.. السر مش إنك تعرف، السر إنهم يفتكروا إنك عارف”.

عصام ضحك لأول مرة، ضحكة هيستيرية دمعت عينه.. لأنه أدرك إن العالم ده كله، مجرد مسرحية كبيرة.. والبطل فيها هو اللي بيعرف يمثل إنه موجود، وهو أصلاً.. فراغ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى