قصص

الميت بيطلب قهوة سادة

ليلة شتا قاسية في حي السيدة، الهوا بيصفر في الودان زي صويت النسوان في الجنازات، وريحة التراب المبلول مالية الشوارع. أنا واقف قدام الصوان الكبير اللي سادد الشارع، النور الأبيض بتاع اللمبات الفلورسنت خلى الليل نهار، وصوت الشيخ ‘الطبلاوي’ طالع من السماعات بيزلزل القلوب بآيات العذاب والرحمة. يافطة قماش سودة مكتوب عليها بخط الرقعة العريض: (توفي إلى رحمة الله تعالى.. الحاج زينهم العطار).. وتحتها جملة (والعزاء قاصر على تشييع الجنازة). بس العزاء مكنش قاصر ولا حاجة، الصوان مليان، كل تجار المنطقة، المعلمين، وحتى الشحاتين، كلهم جايين يشوفوا نهاية ‘زينهم’ اللي كان بلع السوق كله في بطنه.

أنا مين؟ أنا زينهم العطار. أيوه، أنا الميت اللي الناس دي كلها جاية تعزي فيه. واقف بجلابية صوف ولافف شال علي وشي، ساند على عمود نور ومتابع المسرحية الهزلية دي. محدش عارف ان النعش اللي شالوه الظهر ودفنوه في مقابر الغفير كان فاضي، أو بالأصح، كان فيه ‘شوال رمل’ بوزن تقيل. الحكاية بدأت من أسبوع، لما ‘عصام’ المحامي، دراعي اليمين وصندوق أسراري الأسود، جالي وعينيه بتلمع بلمعة غريبة، وقالي: ‘يا معلم زينهم، الديون كترت، والشيكات هتتحول قواضي، والحكومة شامة خبر عن صفقة الآثار المضروبة.. الحل الوحيد إنك تموت’.

الخطة كانت عبقرية، أو كدة كنت فاكر. شهادة وفاة رسمية بفلوسنا، جثة وهمية، وأنا أخلع بباسبور مزور واسم جديد ‘رأفت’ على اليونان، وهناك هقابله ونقسم تركة التأمين اللي بملايين. وافقت.. مين فينا مبيحلمش يضغط زرار (Reboot) لحياته؟ بعت كل حاجة، سلمت رقبتي لعصام، ونفذنا الفيلم. بس وأنا بجهز شنطتي امبارح بالليل في الشقة المفروشة اللي مستخبي فيها، سمعت عصام بيتكلم في التليفون في الأوضة التانية. صوته كان واطي، بس فحيح الغدر صوته عالي: ‘كله تمام يا باشا، زينهم انتهى رسمي.. لا لا، مش هسفره، الليلة هخلص عليه بجد وهدفنه مكان شوال الرمل عشان لو الطب الشرعي فتح القبر يلاقي جثة حقيقية والتأمين ميروحش علينا.. ضربنا عصفورين بحجر’.

الدم نشف في عروقي. الدنيا لفت بيا. يعني أنا ميت ميت؟ يا إما ديون وسجن، يا إما مقتول ومندفن في قبر باسمي؟ هربت من الشباك زي الحرامية، ومشيت في الشوارع زي المجذوب لحد ما رجلي جابتني هنا، قدام عزاي.

دخلت الصوان. قلبي بيدق زي طبول الحرب. محدش عرفني بسبب الشال واللحيّة اللي ربيتها بقالي أسبوع. قعدت في آخر صف. عيني على ‘عصام’ اللي واقف في أول الصوان بياخد العزاء، بيمثل الحزن ببراعة ممثل أوسكار، وجمبه مراتي ‘صباح’.. صباح اللي كانت بتبكي وتصرخ.. بس ثانية واحدة! دي مش دموع حزن.. أنا حافظ مراتي، دي دموع ‘التمساح’.. عينيها بتلمع وهي بتبص لعصام نظرات مش مفهومة. معقولة؟ صباح كمان مشتركة في اللعبة؟

جت لحظة القارئ صدق فيها، والقهوجي بيلف بالقهوة السادة. ناديت عليه بصوت مكتوم: ‘واحد سادة هنا يا ريس’. لما قرب، مديت إيدي ومسكت معصمه جامد، ورفعت الشال عن وشي ثانية واحدة بس.. القهوجي صينيته اتهزت والفنجان وقع انكسر، بس صوته طلع مخنوق من الرعب. قلتله بهمس فحيح: ‘روح قول للاستاذ عصام.. المرحوم بيشرب قهوته قبل ما يحاسب المشاريب’.

الراجل مشي يترعش، وصل لعصام وهمس في ودنه. شفت وش عصام بيقلب ألوان الطيف، من أحمر لأصفر لأزرق. بص ناحيتي، أنا كنت نزلت الشال تاني، بس شاورتله بإيدي حركة هو عارفها كويس.. حركة (الذبح). عصام ساب المعزيين وجري على ورا الصوان، وأنا قمت وراه بهدوء الصياد.

في الزقاق الضلمة ورا الصوان، عصام طلع مطوة من جيبه وهو بيرتعش: ‘عفريت؟ ولا زينهم؟’.
قلعت الشال ورميته على الأرض: ‘أنا كابوسك يا عصام.. بس اطمن، أنا مش جاي أنتقم ولا أقتلك.. أنا مصلحتي إن زينهم يفضل ميت’.
عصام بلع ريقه: ‘عايز إيه؟ الفلوس؟ خدها كلها بس سيبني أعيش’.
ضحكت ضحكة خلت قطط الزقاق تجري: ‘فلوس إيه يا عبيط.. أنا اكتشفت إن الموت راحة، بس المشكلة في الورق. أنت قتلتني عالورق، وأنا هقتلك في الحقيقة.. بس مش هموتك جسمانياً.. أنا هاخد حياتك’.

‘يعني إيه؟’ عصام سأل وهو بيرجع لورا.
قربت منه وطلعت حقنة من جيبي، نفس الحقنة اللي كان مجهزها ليا: ‘يعني بكرة الصبح، الناس هتصحى تلاقي (عصام المحامي) اختفى، وظهر واحد جديد اسمه (رأفت) اللي هو أنا بالباسبور المزور.. وأنت يا عصام، هتدخل مستشفى المجانيين.. لأنك هتفضل تصرخ وتقول إنك عصام، بس ورقك كله بيقول إنك ميت، لأن شهادة وفاة زينهم العطار، أنا بدلتها الصبح في السجل المدني برشوة صغيرة، وبقت باسم (عصام عبدالمجيد)’.

عصام صرخ: ‘أنت مجنون! الجثة اللي في القبر مش جثتي!’.
رديت ببرود: ‘ماهو مفيش جثة يا غبي.. فيه شوال رمل.. بس الورق ورق.. أنت قانوناً ميت من امبارح.. ولو فتحت بقك، هتتحاكم بتهمة تزوير وقتل نفسك.. أنا حكمت عليك بالإعدام مع إيقاف التنفيذ، هتعيش شحات في الشوارع، محدش يعرفك، ولو نطقت محدش هيصدقك’.

سبته مرمي على الأرض يلطم زي الولايا، وعدلت ياقتي، وخرجت من الزقاق. لمحت ‘صباح’ واقفة بتبص على الزقاق بقلق.. قربت منها، وبصوت متغير ونبرة جديدة تشبه نبرة عصام، قلتلها: ‘متخافيش يا مدام صباح.. كل شيء انتهى.. زينهم مات، وعصام سافر.. والباقي.. هتعرفيه في البيت’.
مشيت من قدامها وأنا عارف إن اللعبة لسه بتبدأ. أنا دلوقتي (رأفت)، ورثت فلوسي، وورثت مراتي الخاينة، وورثت حياة محامي.. والأهم، ورثت راحة البال بتاعة واحد ملوش وجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى